عن الكتاب
في هذه الدورة التاسعة من منح اتّجاهات – ثقافة مستقلّة، لا يمكن للقارئ إلّا أن يلحظ وفرة الاهتمامات البحثيّة عند الشباب وقدرتهم المدهشة على طرح مفاهيم جديدة من نوعها مستندين في معالجتها إلى مناهج بحثيّة متطوّرة تحلّل مواضيع مستقاة ممّا تختبره مجتمعاتنا اليوم بمقاربات علميّة أكاديميّة.
هذا التنوّع في المواضيع التي يعالجونها، وتلك الخيارات المبتكرة التي قرّروا التطرّق إليها، يلفت النظر إلى قدرة عيونهم الشابّة على رصد ملامح يمكن ألّا تخطر على بالنا مع أنّها تحيط بنا في حياتنا اليوميّة وتؤثّر على طريقة عيشنا، فنتساءل كيف انتبهوا لها وكيف كان لهم أن يقاربوها بتلك الطريقة.
الأبحاث التي نقرأها في هذا الكتاب على وفرتها وتنوّعها وأصالتها تجدّد ثقتنا بجيل جديد عاش أوقاتاً صعبة واختبر الحرب والدمار وغياب أبسط مقومات الحياة اليوميّة، لكنّه استطاع أن ينهض من كل ذلك ليختار البحث الأكاديمي منهجاً والرؤية العلميّة مقاربةً تبدو لنا هنا جديدة مدهشة.
تنقلنا أبحاث هذا الكتاب من المسرح إلى السينما والموسيقى وثقافة الترفيه، كما تحضر السياسة والحرب في عدّة أبحاث ممّا يعكس راهنيّة هذين الموضوعين وارتباطهما بما يعيشه الشباب اليوم.
الجغرافيا والأنتروبولوجيا لهما مكانتهما أيضاً في هذه الدورة ضمن مواضيع جديدة من نوعها؛ وكذلك الدراسات العمرانيّة التي تربط المدينة بالمجتمع وتحوّلاته، وترصد آليّات التكيّف المجتمعي مع العتبات المفصليّة التي تعيشها تلك المدن في زمن التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة.
تحضر الأنتروبولوجيا في بحث نغم خليل الذي يحمل عنوان: “الأصوات الصامتة، دراسة موضوع الهوية الثقافية البدوية من منظور شابّات بدويّات لبنانيّات عبر منهجيّة فوتوفويس“. في هذا البحث تسلّط خليل الضوء على فئة مهمّشة ثقافيّاً واجتماعيّاً هي النساء البدويّات في لبنان، فتبيّن كيف يكون صراع الفضاء العام والخاص جزءاً لا يتجزأ من تجربة المرأة البدويّة ويشكل هويّتها، وكيف تستطيع تلك المرأة التعامل بمرونة مع التحدّيات الثقافيّة والاجتماعيّة لتحقيق إحساسها بالفعاليّة والقدرة على التأثير في حياتها. تستخدم الباحثة لتحقيق ذلك تحليل مفهوم الهويّة ضمن إطار التقاطعيّة ومن خلال تقنيّة الفوتوفويس كأداة لتوثيق الواقع وكوسيلة للتعبير عن تجارب معقدة وغنيّة بالمعاني التي يصعب وصفها شفهيّاً.
في خطوة أولى من نوعها نحو إنشاء قاعدة للبيانات الثقافيّة المرتبطة بموارد الأرض، يأتي بحث: “من وعلى المياه، حالات عبور نهر العاصي بين الذاكرة والمعرفة المحليّة” لجويل ديب. هذه الدراسة الأرشيفيّة الميدانيّة تستخدم أدوات الجغرافيا الثقافيّة والأنثروبولوجيا البصريّة لتتبع أشكال العبور التاريخي والمعاصر في حوض نهر العاصي. كما أنّها تتقصّى أبعاد الثقافة المحليّة في الممارسات اليوميّة المتعلّقة باستجرار المياه للسقاية وصنع القوارب للتنقل وإنشاء المأوى على عتبات الأنهار. تسبر الباحثة أيضاً التغيّرات التي تطرأ اليوم على علاقة الإنسان بالمياه مع التلاشي التدريجي لكثير من الممارسات المرتبطة بثقافة العبور والتي نتج بعضها عن التغيّر المناخي، وبعضها الآخر عن التطوّر الصناعي.
