كانت تعبر هذا الشارع كل صباح، ولم تكن تدري منذ متى؛ فقد اختلطت الأيام في رأسها، حتى لم تعد قادرةً على عدّها، لكنها كانت خائفة؛ في كل مرةٍ كانت خائفة. تداعب شعرها، وتمشي بين سيارات التاكسي المبعثرة أمام إشارة مرورٍ مهترئة.
وقبل أن تصل إلى الضفّة المقابلة، تعالت الأصوات، وبدأ الجميع يتحرّك على نحوٍ مريب؛ تداخلت الأجساد كأطيافٍ بلا ملامح. علت الأصوات أكثر مع كل خطوةٍ خطَتْها إلى الأمام. وبانسيابيةِ من يُحرّك جسداً صغيراً، مرّت بين الأكتاف العالية المتلاصقة، حتى تكشّف المشهد عن رجلين يتدحرجان على أرضٍ قذرة، ويتبادلان اللكمات وأقبح الشتائم.
انكمشت معدتها الصغيرة، وتسارعت ضربات قلبها. سألت الكهلَ الصامتَ بجوارها:
«لماذا يضربان بعضهما؟»
ثم كرّرت السؤال، ظنّاً منها أنه لم يسمعها. صاحت بصوتٍ أعلى:
«سيقتل أحدهما الآخر… لماذا؟»
لم يُجب. ظلّ غارقاً في صمته، ثم استند إلى كتف رجلٍ آخر ومضى مبتعداً. راقبته تالا وهو يتلاشى بين الجموع التي بدت وكأنها تراقب مستمتعةً، منتشيةً بصوت ارتطام اللكمات على الخدود.
تابعت طريقها، وتوقّفت عند حاجزٍ أمنيّ. تجمّدت في مكانها زمناً لم تعرف مدّته، لكنه مرّ بطيئاً وثقيلاً. شعرت كأن قدميها تأبيان التقدّم، ولو خطوةً واحدة. لكنها، إذ لاحظت أن العناصر لا يلتفتون إليها، تابعت طريقها.
——————
أدرك الجميع أن الأسوأ قد حلّ، والأيادي التي ارتفعت إلى السماء طلباً للنجاة عادت لتواجه موتها. كان الرصاص كثيفاً، والسماء — حين تمكّنت تالا من سرقة نظرةٍ إليها من خلف ستارة غرفتها — شاحبةً، تصارع غيوماً رماديةً تتحرّك بسرعةٍ مريبة.
كانت الاتصالات شبه منقطعة، لكن الأخبار بدأت تنتشر. وبعد فترةٍ وجيزةٍ من الشك، واختلاط الحقيقة بالخيال، سيطر الواقع على الناس، ممسكاً برقابهم كنوبة هلع. وعرف أهل السويداء، جميعهم، أن الساعات القادمة ستغيّر حياتهم إلى الأبد.
كانت تالا، الطفلة الرقيقة التي، قبل ساعاتٍ فقط، كانت تعزف وترسم وتنير العالم بنورها، عاجزةً عن قراءة ضجيج الخارج. كانت تحاول فهمه من عيني أمها، اللتين كانتا دافئتين، واثقتين، وقادرتين على مواجهة العويل المتسلّل عبر الشبابيك إلى قلبي تالا وأخيها.
حين هدأت الأصوات قليلاً، وتبعثر الرصاص في البعيد، عاد اللون إلى الوجوه. استطاع الأب أن يجرّ جسده المتخشّب ويخرج إلى شرفة البيت ليرى بعينيه. تسلّلت تالا خلفه دون أن يشعر. جاء الصوت من الأسفل:
«صاروا قراب… اهربوا.»
لم تنتظر ردّ أبيها. أطلّت إلى الأسفل حتى كادت نظارتها السميكة تسقط وسألت الرجل:
«من هم؟ ماذا يحصل؟»
«الله يحميكم»، ردّ عليها بانكسار، ثم وجّه حديثه إلى الأب بعجلةٍ وقلق:
«اهربوا.»
نظر الأب من حوله، وكانت غيوم الدخان تملأ السماء من كل الجهات، فأجاب:
«إلى أين؟!»
تزامن هذا السؤال مع صوتٍ بدا وكأنه صرخةٌ مدوية خرجت من باطن المبنى. كان صاروخاً استقرّ على مبعدة حارةٍ واحدة. فسارعت العائلة، يتبعها بعض الجيران، إلى القبو. هناك نظر الجميع في عيون الجميع، وقد شعروا بأن شبح الموت بات أقرب من أي وقتٍ مضى.
——————
قال أحدهم سابقاً إن هناك قاعدتين في الحرب: القاعدة الأولى أن الشبّان الصغار سيموتون دائماً، والقاعدة الثانية أن الأطباء لا يستطيعون تغيير القاعدة الأولى.
خلال أربعٍ وعشرين ساعةً فقط، كان الدكتور طلعت قد أجرى أكثر من عشرين عمليةً جراحية، في مستشفى يواجه فيه عشرات الأطباء قَدَرَ مئات الضحايا. وحين عاد إلى منزله، استراح ساعاتٍ قليلة، ثم هبّ واقفاً للعودة إلى الجحيم الذي كان فيه، لكن زوجته كانت قد خبّأت مفاتيح السيارة.
«ليذهب غيرك»، ردّدت بغضبٍ وحزمٍ في البداية، ثم امتزج حزمها برجاءٍ وتوسّل. لكنها تعرفه جيداً، وتعرف أنه لا يوجد شيءٌ في هذا العالم يستطيع منعه من العودة.
كان هاتفه يجنّ على الطاولة.
«كل اتصال هو احتمال شهيد.»
لم يقلها بحزن، بل قالها بقوة من يشعر بأنه ليس عاجزاً، وبثقة من يعرف حجم تأثيره.
——————
في القبو، كانت تالا تلاصق أمها. هي التي كانت ترتعش خوفاً، صارت الآن مصدر أمانٍ للآخرين. بابتسامةٍ هادئة، كانت تحاول تهدئة الأطفال وتسليتهم. حتى الكبار وجدوا فيها، سريعاً، ما سرّب الطمأنينة إلى قلوبهم.
كان الوقت المختنق بالقلق ثقيلاً، وكلما استعاد أحد المختبئين شبكة جواله لبضع ثوانٍ عاد إلى الآخرين بخبر مجزرةٍ جديدة.
ولأن الخوف يدفعنا إلى أن نتحرّك، بأي اتجاهٍ كان، قرر الجيران الهرب إلى مكانٍ ما. ذهبت عائلة تالا إلى قرية «صلخد».
قبيل الذهاب، لبست تالا سروالاً طويلاً، ووضعت شالاً على رأسها.
«ماما، حطي على راسك.»
قالتها بارتباك. فمنذ الليل كانت تخشى أن تُختطف. كان هذا هاجسها الأكبر. لم تكن تعرف حينها أنهم لن يتمكنوا من خطفها أو لمسها، ولن ينالوا من أهلها، فمجرد تخيّل تعرّضهم لأي أذى كان يشعرها ببرودةٍ موجعةٍ تسري في عروقها.
ولم تكن تعرف أيضاً أنهم سيقتلونها هي، بعد ساعاتٍ فقط.
——————
في سنوات الثورة، كان الدكتور طلعت طوق نجاةٍ للكثيرين، وكان يحظى بتقدير الأوساط الثورية كلها. ربما لذلك لم يكن خائفاً.
أعادت له زوجته مفاتيحه، فكيف تقوى، بدورها، على حمل ذنبٍ بحجم حرمان أرواحٍ من فرصة نجاة؟
كان كل شيءٍ في السماء يشي بأن شيئاً سيحدث، لكن يبدو أننا نعيش طوال حياتنا في حالٍ من الرعب من لقاء الموت، لكنه حين يغدو جزءاً من الهواء، يصير حقيقة، والحقيقة يمكن التعامل معها، ويمكن تجاهلها أيضاً.
حين خرج من الباب، دفعها شيءٌ خفيّ لأن تسأله:
«متى تعود؟»
وفي أي يومٍ آخر، كان سيجيب، كأي طبيبٍ استُدعي على عجل:
«لا أعرف.»
لكنه هذه المرة أجاب، دون تفكير:
«ما رح طوّل.»
——————
بعد أن وصلت العائلة إلى «صلخد»، انتشر خبر سيطرة فصائل تكفيرية على قريةٍ مجاورة، فعادت العائلة مسرعةً إلى السويداء، وأصرّت تالا على هذا القرار، إذ كان الهلع من احتمال تعرّضها للخطف أو الاعتداء قد تمكّن منها.
طلبت تالا التوجه إلى بيت خالتها. في السيارة، كان والدها، مثلما تعلّم الآباء عبر التاريخ، يسعى إلى نشر شعورٍ بالأمان حتى في مكانٍ لم يعد الأمان فيه خياراً. كانت تالا تبكي، وتحضن أمها تارةً، وتُريح رأسها على كتف جدّتها تارةً أخرى، وحين اقتربوا من منزل الخالة، لاحظوا عدداً من الأهالي المسلحين يجوبون المنطقة، ربما لتأمينها من القنّاصين، فعادوا باتجاه بيتهم باحثين عن مكانٍ أكثر أماناً. رفضت تالا أن تترك عائلتها والذهاب إلى أي مكان.
«منضل سوا.»
قالتها. وحين أطلق القناص رصاصته، لم يُسمع أي صوتٍ داخل السيارة. أسرع الوالد مبتعداً عن الأصوات، وسأل، بعد ثوانٍ، إن كان الجميع بخير.
وقبل أن يجيبه أحد، شعرت الجدّة بسائلٍ ساخنٍ يسيل شلالاً محترقاً على كتفها، وصرخت.
——————
على مبعدة كيلومتراتٍ قليلةٍ من حيث لفظت تالا آخر أنفاسها، كان هاتف الدكتور طلعت يجنّ مجدداً، يرنّ دون توقف، لكنه هذه المرة لم يُجب.
وبعد محاولاتٍ كثيرة، سمعت زوجته صوتاً غريباً يجيبها:
«ذبحناه.»
وقبل أن يضرب قلبها ضربته التالية، تابع الصوت الغريب:
«هو على الأرض… دوروا عليه.»
وُجد الدكتور، بعد محاولاتٍ مُنهكة، ونُقل جسده من المكان الذي قضى فيه آخر ثواني حياته الممتلئة بالعطاء والوفاء لمهنةٍ أنقذت به مئات الأرواح، ثم أخذت روحه.
لكن ذاك المكان، الذي سيعود مع الوقت ممراً طبيعياً للمارة، سيظل، لمحبيه، الحجارةَ الحنونةَ المألوفةَ التي حضنت جسد الدكتور طلعت، يوم أحاطت به وجوهٌ قاتمةٌ غريبة.
——————
كان ذاك الحاجز الأمني الوحيد بينها وبين دار الأوبرا. اجتازته كما تفعل كل يوم، ومضت.
حين وصلت، كان كل شيءٍ في المكان على ما كان عليه في الأمس؛ المسرح، وبقايا الأوراق المرمية على الخشبة، والحضور ذاته. باتت تعرف وجوههم جميعاً. وكانت الفرقة الموسيقية أيضاً بانتظارها. كل شيءٍ كان تماماً كما كان في الأمس، واليوم الذي قبله، وفي كل يومٍ مضى منذ السادس عشر من تموز عام 2025.
وقبل أن تبدأ الغناء بثوانٍ، غابت في عالمٍ آخر. مرّت صورٌ متداخلة أمام عينيها: أعياد ميلادها، سهرات رأس السنة، أجمل رسماتها، نظرات أمها وأبيها، ضحكات الأصدقاء، موسم قطف التوت في الجبل، أمسيات العزف والغناء…
ابتسمت، وأخذت نفساً عميقاً، وأغمضت عينيها، وضربت أولى الأوتار، وغنّت:
«كانوا، لياسمينك حُرّاس
يا بلد… لا تخوني أحلامهن
علّقيها ع بوّابك
المعتّقة بمحبتهن
واتركيها للريح
تنثرها ع رمادهن»
——————
إلى روح الشهيدة الطفلة
تالا الشوفي
إلى روح الشهيد
د.طلعت عامر
وإلى أرواح شهداء مجزرة تموز، 2025، السويداء
