عن الكتاب
في هذه الدورة التاسعة من منح اتّجاهات – ثقافة مستقلّة، لا يمكن للقارئ إلّا أن يلحظ وفرة الاهتمامات البحثيّة عند الشباب وقدرتهم المدهشة على طرح مفاهيم جديدة من نوعها مستندين في معالجتها إلى مناهج بحثيّة متطوّرة تحلّل مواضيع مستقاة ممّا تختبره مجتمعاتنا اليوم بمقاربات علميّة أكاديميّة.
هذا التنوّع في المواضيع التي يعالجونها، وتلك الخيارات المبتكرة التي قرّروا التطرّق إليها، يلفت النظر إلى قدرة عيونهم الشابّة على رصد ملامح يمكن ألّا تخطر على بالنا مع أنّها تحيط بنا في حياتنا اليوميّة وتؤثّر على طريقة عيشنا، فنتساءل كيف انتبهوا لها وكيف كان لهم أن يقاربوها بتلك الطريقة.
الأبحاث التي نقرأها في هذا الكتاب على وفرتها وتنوّعها وأصالتها تجدّد ثقتنا بجيل جديد عاش أوقاتاً صعبة واختبر الحرب والدمار وغياب أبسط مقومات الحياة اليوميّة، لكنّه استطاع أن ينهض من كل ذلك ليختار البحث الأكاديمي منهجاً والرؤية العلميّة مقاربةً تبدو لنا هنا جديدة مدهشة.
تنقلنا أبحاث هذا الكتاب من المسرح إلى السينما والموسيقى وثقافة الترفيه، كما تحضر السياسة والحرب في عدّة أبحاث ممّا يعكس راهنيّة هذين الموضوعين وارتباطهما بما يعيشه الشباب اليوم.
الجغرافيا والأنتروبولوجيا لهما مكانتهما أيضاً في هذه الدورة ضمن مواضيع جديدة من نوعها؛ وكذلك الدراسات العمرانيّة التي تربط المدينة بالمجتمع وتحوّلاته، وترصد آليّات التكيّف المجتمعي مع العتبات المفصليّة التي تعيشها تلك المدن في زمن التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة.
ضمن هذا التوجّه للدراسات العمرانيّة يندرج البحث الذي قدّمه إياد أبو سمرة وشام العلبي، ويحمل عنوان: “أنتروبولوجيا الضوء بين عتبة الهيتروتوبيا وتوفر إنارة المدينة، دراسة للتكيفات الناتجة عن غياب إنارة الطرقات على الفراغات العامة”. يتمحور البحث حولتوثيق تفاعل واستجابة سلوكيّات الأفراد للتكيف مع وضع انقطاع الكهرباء عن المدن السورية خلال ما يزيد على عشر سنوات، وقدرة السكّان على ابتكار طرائق بديلة للبحث عن الضوء في الفراغات العامّة، من بينها اللّجوء إلى إنارة الشارع والحدائق وأضواء السيّارات العابرة. استند الباحثان في هذه الدراسة على مفاهيم معماريّة مثل المدن الممانعة والتكيّف الحضري؛ وكذلك على نظريّات الأداء وعلى نظريّة فوكو عن الفضاءات غير المتجانسة والجزر الضوئيّة التي تتحوّل إلى ملاذات تجسّد الوهم بالسيطرة على واقع فوضوي.
وضمن استكشاف أبعاد المدينة وتطوّر المجتمع فيها أيضاً، يندرج البحث الذي يحمل عنوان: “تجلي ديناميّات المدينة في دور سينما مدينة دمشق”؛ وفيه تستطلع الباحثة ميرما الورع تاريخ دور السينما والمسرح والمقاهي التي نشأت في المدينة منذ الثلاثينيّات من القرن الماضي وحتّى تأسيس سينما الكندي التي تشكل حقبة التدخّل الحكومي في الشؤون الثقافيّة في الستينينيّات. كما أنّها تستكمل ذلك العرض التاريخي بتقصّي التشريعات والقوانين المتعلقة بذلك الموضوع والتحوّلات الاجتماعيّة التي طرأت، وتبدّلات الذائقة، إضافة إلى تحليل تواتر الإعلانات والآراء المطروحة في الصحف لقياس تفاعل المجتمع مع ثقافة الترفيه في المدينة، وكلها عوامل أحاطت بظهور دور السينما في مدينة دمشق واختفائها.
