عن الكتاب
هذا الكتاب تتويجٌ لمشروع “عقدٌ من الفنون” الذي أطلقته اتّجاهات – ثقافة مستقلّة ضمن برنامج أبحاثٍ لتعميق ثقافة المعرفة، في محاولةٍ لرصد ملامح التغيير في الإنتاجَين: الثقافي، والفني المعاصرَين في سورية، ورغبة بتلمّس مستقبل الفنون فيها وفي المنطقة العربيّة، وذلك من خلال المحاور التالية:
- أدوار الفنون على صعيد كتابة التاريخ خارج أطر السرديّات الرسميّة والمهيمنة.
- اشتباك الفنون مع أسئلة الفضاء العام.
- مفهوما: الجديد، والتغيّر في الإنتاجات الفنيّة والإبداعيّة في السّياق السوري.
- المقارنة بين الإنتاج الفني السوري والإنتاج الفني في المنطقة العربيّة.
وأهميّة هذا المشروع تكمن في أنّ اتّجاهات استطاعت من خلاله أن تفسح المجال واسعاً أمام فكرٍ شابٍّ حرٍّ متحرّرٍ من القوالب، يعيد النظر في الثوابت، ويحرّك ما هو راكد في مقاربة الفن، والمجتمع، والعلاقة مع المكان، والسُّلطة، وآليّات القمع، ويرصد برؤيةٍ مغايرةٍ تداعيات الغربة والمنفى على صورة العالم وتصوّره.
يحتوي هذا الكتاب على خمسة أبحاث مختلفة في مادّتها، ومتنوّعة في مقارباتها، ومتينة في صياغتها، وجديدة في طرحها:
البحث الأوّل: كتبه إيلاف بدر الدين، وهو بحثٌ شائكٌ وصعب، يحمل عنوان: “السجنيّة السوريّة: موسيقا ما بعد السجن”، حيث يقوم إيلاف باستقراء شهاداتٍ جمعها من المعتقلين السياسيّين من الذكور في سجن صيدنايا عبر مقابلاتٍ فرديّةٍ، ثمّ جماعيّةٍ مركّزة، ليرسم ملامح الممارسات الموسيقيّة والغنائيّة التي تمّت داخل ذلك السجن في الفترة الواقعة بين عاميّ: 1987 و 1996. وقد رصد الباحث محاولات المساجين لتجاوز المستحيلات، ولاختراع آلاتٍ موسيقيّةٍ من مواد غير متوقّعة، ولتنظيم جلسات تذوّقٍ موسيقيٍّ داخل الزنزانات كنوعٍ من المقاومة، وكمحاولةٍ للتغلّب على العقبات النفسيّة التي تواجه المعتقل في المساحة السجنيّة.
البحث الثاني: كتبه زاهر عمرين عن الجماليّات الجديدة للسينما الوثائقيّة ـ الفيديو السوري نموذجاً، وعالج فيه تصوير الانتفاضة السوريّة عبر أفلام الفيديو التي صوّرها ناشطون في المواقع الساخنة على نحوٍ لحظيّ، وفي جوٍّ من الخطر الشديد. وهو في تناوله لهذه الأفلام يتبحّر في مفاصل الموضوع كافّةً، محلّلاً جماليّات وعناصر الصورة المشوّشة ومنخفضة الدقّة مقارنةً مع شدّة وضوح الواقع وكذلك الخيال؛ كما أنّه يتناول وضعيّة جسد ما يسميه الفيلمر (مصور الفيلم) ونوعيّة الصوت، والتقنيّات التي يلجأ إليها لتوثيق الحدث. كل ذلك من خلال أمثلةٍ محدّدةٍ، وحيّةٍ، ومؤلمةٍ في كثيرٍ من الأحيان، وبالاستناد إلى الكثير من الدراسات النظريّة المهمّة التي يستخدمها ببراعة لتدعم بحثه الأصيل والمتفرّد.
أمّا البحث الذي كتبه ستيفان تارنوفسكي حول مفهوم الكرامة، فيسبر بحذاقة الأكاديمي العارف أدق معاني الكلمة، كما يرصد تلوّنات المفهوم وتطوّره في سياقات متنوّعة ومختلفة، كما أنّه يتناول بنظرةٍ ثاقبةٍ وذكيّةٍ التداعيات المرتبطة به، ويحيط بجميع تداعيات النقاش الذي اندلع حوله بين المثقّفين والفنّانين، وعلى الأخص في معرض الجدل حول الحق في عرض صور الفظاعات ونشرها، ومدى تأثير ذلك على المتلقّي.
البحث الرابع: الذي كتبته سمر صالح العمري، يرصد الوحدات اللغويّة في كلام الناس في دمشق، وتلوّنات اللّهجة المحكيّة فيها، والمفردات الجديدة التي تولّدت مرتبطة بالأحداث السوريّة. فمن خلال نموذج الدراما الإذاعية “حي المطار”، استطاعت الباحثة أن تفكّك بكلّ دقّةٍ اللّغةَ اليوميّةَ، وأن تعيد تركيبها بربطها مع تحوّلات المفردات، وتغيّر دلالات بعض الكلمات، وولادة كلمات، وخلق شعارات وأقوال، وتبنّي مصطلحات عكست فيها الأطراف المتصارعة رؤاها السياسيّة المتباينة.
أمّا منى مرعي التي غامرت بالغوص في أعمال “المسرح السوري في الداخل”، وهو ما لم ينل حظّه من الدراسة، والتحليل، والتوثيق، فقد تناولت النتاج المسرحي السوري في الداخل في الفترة التي تمتد بين 2011 و 2021 على مستوى الكتابة، والإخراج، والبنية الإنتاجيّة، مع جهدٍ واضحٍ في رصد التبدّلات الجماليّة، وأدواتها، والعلاقة في كنف المؤسّسة الرسميّة. وقد فعلت ذلك من خلال مسحٍ دقيقٍ للأعمال كافّة التي تندرج ضمن هذا الإطار، فجاء بحثها بمنزلة خارطةٍ إنتاجيّةٍ مسرحيّةٍ لتلك الفترة، إضافةً إلى استكشافها لتجارب مسرحيّة، لها بُعدٌ مغايرٌ في تناول الراهن السوري. وقد استقرأت منى طبيعة الممارسة المسرحيّة، وعالجت أبعادها بدقّةٍ علميّةٍ كاملةٍ وبموضوعيّة، مستندةً في ذلك إلى أطر نظريّة عامّة استخدمتها خصوصيّة الحالة السوريّة.
هكذا إذن جاءت الأبحاث المنشورة في هذا الكتاب متنوّعةً في مواضيعها، وفريدةً في طرحها، وجديدةً في معالجتها. ومن يقرأها يشعر لأيّة درجة استطاع الباحثون الشباب أن يقاربوا مواضيع جديدة ومهمّة، ويعالجوها برؤى جديدة، ويفتحوا أبواباً كانت موصدة على عوالم لم يرها أحد من قبل!
